أخبار سورية

طبق سوري على مأدبة إفطار أميركية

2010/08/31

السفارة الأمريكية لبنان

جهاد الزين - النهار

حضرتُ – بكل سرور – مأدبة افطار دعا اليها يوم الخميس المنصرم القائم بالاعمال الاميركي في لبنان السيد توماس داوتون على شرف مساعد نائب وزيرة الخارجية الاميركية السيد جايك والس وصادف انني الصحافي الوحيد ضمن مجموعة لا تتجاوز الستة أشخاص معظمها من السياسيين اللبنانيين المتعددي الطوائف.
لم تكن آراء السيد والس تحريضية على ما لاحظت. بل غلب عليها الطابع التحليلي – الانطباعي في لقاء لم يتحدث فيه الديبلوماسي الاميركي باسهاب، إذ يبدو على الارجح انه كان في سياق زيارة استطلاعية الى لبنان كرئيس لمكتب لبنان وسوريا والاردن ومصر في الوزارة، فزار رؤساء الجمهورية والمجلس والحكومة أساسا وكان له هذا النوع من اللقاءات كما في هذا الافطار الذي التأم في منزل القائم بالاعمال داخل السفارة في ضاحية “عوكر” شمال بيروت.
من الواضح أن مركز الثقل الراهن الذي تنجذب اليه الدينامية الديبلوماسية الاميركية هو انطلاق المفاوضات المباشرة الاسرائيلية – الفلسطينية اعتبارا من 2 ايلول، “الانجاز” الذي لا يفوت أي ديبلوماسي اميركي على اي مستوى ان يربطه باصرار بل باستعجال الرئيس باراك أوباما تحريك هذا المسار المعقد، حتى لو انه ليس من المضمون – وهذا ما لا يستسيغ سماعه الديبلوماسيون الاميركيون على الاقل حاليا – ان لا يكون الرئيس أوباما “رئيسا أميركيا آخر” أضاع التصلب الاسرائيلي وقته في منع الوصول الى حل سلمي شامل للصراع العربي – الاسرائيلي.
يعتقد السيد والس، ردا على سؤالي حول أي بنيامين نتنياهو كرئيس حكومة هو اكثر تصلبا: نتنياهو التسعينات قبل أكثر من عقد أم نتنياهو اليوم… يعتقد ان زعيم “الليكود” تعلم من أخطائه السابقة، ويفترض ان يكون اليوم أكثر براغماتية، هذا مع العلم ان الحكومة الاسرائيلية الحالية ليست الحكومة التي يتوقع منها تقديم “انجازات” لعملية السلام… بسهولة. فكيف – وهذا ما لا يقوله الديبلوماسي الاميركي – ان الطرف الفلسطيني كطرف مفاوض في أضعف أوضاعه بسبب الانقسام الداخلي القائم من جهة، والدرجة المدمرة ميدانيا التي بلغتها عملية الاستيطان الاسرائيلي داخل الضفة الغربية من جهة ثانية؟
الشغل الذي لا يمكن إلا أن يكون شغلا شاغلا لأي متابع سياسي لبناني بصورة خاصة هو محاولة معرفة ما اذا كان هذا الموسم الكبير من “المفاوضات” مع اسرائيل سيشمل ايضا اطلاق المفاوضات السورية – الاسرائيلية. فبالنسبة للبنان – وإن كان هذا المعطى لا يرضي بعض اللبنانيين ضمنا – اذا كان أي سلام فلسطيني – اسرائيلي منشود من شأنه ان يغير المنطقة فان أي سلام سوري – اسرائيلي من شأنه بالحد الادنى ان يغيّر لبنان، انطلاقا من أي اتفاق سلام سوري – اسرائيلي يعيد الجولان المحتل الى سوريا لم يعد ممكنا حتى تصوّره بدون ان يشمل سياسيا وتقنيا حلا نهائيا للوضع العسكري القائم في جنوب لبنان.
رغم الكلام المتحفظ الذي علق به السيد والس على هذه النقطة يمكن من طريقة إجابته ان نفهم ان احتمال تطور ما لاحق بعد انطلاق مفاوضات 2 ايلول قد يظهر على صعيد المسار السوري – الاسرائيلي، وبالتالي ربما نشهد في الفترة المقبلة انعطافاً في هذا الاتجاه. اي انطلاق المفاوضات السورية الاسرائيلية.
لكن – وبالذات في ما يتعلق بالمسار السوري – الاسرائيلي، فإن التدقيق في اوضاع المنطقة بشكل عام ضروري لمعرفة لماذا يمكن ان ينتقل القرار الاميركي – ومعه نسبياً الاسرائيلي – من اعتباره مساراً ثانوياً بل حتى “غير ضروري” الى مسار اساسي كما هو فعلاً وكما يجب ان يكون من وجهة نظر تاريخية وعملية.
تعيش المنطقة بالتوازي مع “الانسحاب” الاميركي من العراق في ظل خطين اساسيين:
1 – خط التوتر الاميركي الايراني ومعه التوتر السعودي الايراني ، وهو خط متواصل وينذر بالمزيد من السخونة، بالنسبة للاميركيين اساساً الملف النووي الايراني وبالنسبة للسعوديين التضامن مع الأميركيين على قاعدة رؤية المصالح الامنية والجيوبوليتيكية.
متابعة خط التوتر العالي، بل الاساسي هذا، من ملامحه الكبيرة في تصويت مجلس الامن على العقوبات ضد ايران، الى تفاصيله الصغيرة في لبنان وعنوانها الاوضح – والدقيق – استمرار التوتر البارد والساخن الدائم بين “تيار المستقبل” السعودي و”حزب الله” الايراني حتى في ظل الوفاق بل العلاقة الايجابية السورية – السعودية الثابتة… هذه المتابعة تجعل من المنطقي القول ان نجاح واشنطن في اطلاق المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية هو احدى محاولات، بل المحاولة الاساسية، للهجوم السياسي على الموقع الايراني و”اختراقاته” الكبرى الفلسطينية واللبنانية. لكن منطقاً كهذا من المفترض ان يؤثر مباشرة على الرؤية الاميركية لمحورية الدور السوري، انما ليس على طريقة الكلام التافه عن ضرب التحالف السوري – الايراني، وانما عن السعي لتغيير اولويات هذا التحالف في منطقة الصراع العربي – الاسرائيلي. لانه اذا كان الاول – اي الضرب – مشروعاً مستحيلاً لحلف سيظل ربما اثبت حلف في المنطقة في العقود الاخيرة، فإن الثاني اي تغيير الاولويات في هذا التحالف هو امر ممكن جداً بل واقعي وشديد الواقعية. لكن الثمن واضح يعرفه اي “طفل” سياسي في المنطقة. اعادة الجولان الى سوريا…
يستمع الديبلوماسي الاميركي دون تعليق الى بعض النقاش حول الموضوع، بين رأيين، الأول الذي يعتبر ان سوريا، نظاماً ومجتمعاً باتت مهيأة بحكم تحولات عميقة الى السلام مع اسرائيل اذا استعادت حقوقها الوطنية في الجولان، ورأي آخر تقليدي يعتبر ان سوريا، نظاماً وبالتالي مجتمعاً ليست مهيأة للسلام، لا تستطيعه وبالتالي لا ترغب به.
2 – الخط الثاني المهم – وهذا “رصد” من خارج جلسة الافطار مع الديبلوماسي الاميركي ولكني اقف عنده لانه متصل بموضوعات الجلسة – هو خط ما يمكن اعتباره “الانسحاب التركي” من الملف النووي الايراني!
مهلاً هنا. فأول استدراك على هذا الرصد هو عدم اعتباره تغييراً في العلاقة التركية – الايرانية. هذه العلاقة وطيدة، متداخلة وقائمة على مصالح كبرى مستمرة ومتطورة منذ ثمانينات القرن العشرين وهي ستستمر في علاقات وطيدة.
لكن تركيا التي مدت يدها في مبادرة كبرى للعب دور قيادي مع البرازيل كقوتين اقليميتين صاعدتين على المستوى الدولي في الملف النووي الايراني، هذه التركيا تلقت اكثر من تهديد وصفعة خطرة اهمها الاعتداء الاسرائيلي على “اسطول الحرية” امام الشواطئ القريبة من غزه. وظهر ان التقييم الاستراتيجي التركي – بعد صمت العاصفة – تطلّب نوعاً من “الصفقة” مع الاميركيين انعكست فوراً في انفراجات تحفظ كرامة تركيا الجريحة في “اسطول الحرية” وبينها تشكيل لجنة تحقيق دولية. صفقة الانسحاب من الملف النووي الإيراني.
هذا يدفع الى السؤال: هل تشمل “الصفقة” عودة تركيا الى لعب دور وسيط – مثل فرنسا – في اي اطلاق لمفاوضات سورية – اسرائيلية مباشرة او غير مباشرة آتية لاحقاً وقريباً؟ لا جدال ان سوريا ستطلب ذلك، ولكن السؤال هو حول الاسرائيليين. انما الوصول الى صيغة جديدة ليس أمراً صعباً.
العلاقات السورية – التركية الوطيدة مرشحة لمزيد من التوطيد في السنوات المقبلة، والدور التركي اياً تكن مصاعبه السياسية (لا الاقتصادية) في بلد كالعراق، هو دور استقرار اقليمي بكل المعايير ليس فقط في المشروع السلمي لحل الصراع العربي – الاسرائيلي خصوصاً إذا نضج قرار ابتعدت عنه اميركا جورج بوش طويلاً ولا زالت ادارة اوباما اسيرته وهو فرصة تطوير قابليات حركة “حماس” السلمية وتلقف “عروضها” المباشرة وعلى رأسها القبول بحدود 1967… وانما ايضاً تركيا القادرة على كسر محورية الحساسية السنية – الشيعية التي يغذيها التوتر السعودي – الايراني.
ولفت نظري في افطار المأكولات الشهية والبسيطة التي افتتحناها بتناول التمور – ان الديبلوماسي الاميركي بدا متفهماً بل موافقاً على الرأي القائل بأنه حتى لو كان العامل الاخلاقي ثانوياً في الصراع الاقليمي والدولي، يجب ان يشجع (اي العامل) على تلافي الحرب الاهلية السنية – الشيعية بعد ما شهد الاميركيون وحشيتها في العراق.

  • اطبع

التعليقات مغلقة.